"النقاب" الفرنسي

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
لا يمكن فهم الهجوم الإنترنتي الشرس الذي يخوضه عرب ومسلمون ضدّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الآن بسبب رفضه ارتداء النقاب في بلاده بعيداً عن صور تتكرر عن حال أمة تحرص دائماً على خوض معارك خاسرة، وتقفز عن الاهتمام بقضاياها ومشكلاتها الداخلية، أو حتى محاولة النقاش فيها. والأسوأ من ذلك أن ثمة من يزايد على فرنسا بالديمقراطية وحقوق الإنسان (المرأة)، في حين تُحرم النساء في بلاده من أبسط حقوقهن البشرية! ساركوزي اعتبر أن «النقاب يحطّ من كرامة المرأة» وقالها صراحةً أمام البرلمان إن «ارتداءه غير مرحب به في فرنسا، ولا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن أية حياة اجتماعية، فهذه ليست رؤية الجمهورية الفرنسية لكرامة المرأة»، وفي الوقت نفسه أكد «احترام الدين الإسلامي، بالقدر نفسه الذي نحترم به الأديان الأخرى».
 
أولاً، القضية فرنسية تماماً، والنساء الفرنسيات المسلمات لديهنّ الوسائل القانونية والديمقراطية للتعاطي مع هذا الشأن قبولاً أو رفضاً، خصوصاً أن محجبات منهنّ جادلن في أن النقاب لا يعبر عن الدين الإسلامي الصحيح الذي يسمح للمرأة بإظهار الوجه والكفين.
 
ثانياً، يُمكن للمسلمات الفرنسيات، أن يثبتن لرئيسهن أن النقاب زيّ لا يحط من كرامة المرأة، وهو ذو دلالة دينية، وإذا كان معنياً بهذا الأمر فعليه أن يكون علمانياً مخلصاً إلى الحد الذي يطالب فيه بمنع كل الرموز الدينية الأخرى التي تنطلق من المسيحية واليهودية. 
 
ثالثاً، وهو الأهم في هذا السياق، أن المسألة متعلقة بفهم ثقافي لدولة علمانية تجاه النقاب، ومن حقنا في العالم العربي والإسلامي أن نرفضه كليّا، بل وأن نعتبر ساركوزي معادياً لمظهر يمسّ ثقافتنا وتقاليدنا وحياتنا، ولكن علينا أن نتذكر أنه بصفته الدستورية، وكرئيس منتخب لفرنسا، وضمن الأدوات الديمقراطية البرلمانية فيها سيسعى إلى منع النقاب في بلاده، وليس في بلادنا، وأن موقفه من القضية لا يُلزم أية دولة عربية أو إسلامية. 
 
ما يحدث من نقاش غاضب على الإنترنت لا يخدم العرب ولا الإسلام في شيء، فهو في مجمله يسخر من الديمقراطية الفرنسية، ومن ثقافة بلد فولتير، ومن تاريخه ومنجزاته الحضارية المشعة، وثمة من استعذب ركوب الموجة بتطرف وطالب بمقاطعة البضائع الفرنسية. ووسط ذلك خلط للأوراق، وقفز محزن عن الحقائق، والفروق بين الأمم المتحضرة، وتلك التي تعيش وراء التاريخ.
 
ما يخدمنا في هذا النقاش وغيره، هو الاقتناع أولاً بأن من حقّ الأمم أن تختلف مع ثقافتنا، وأن هذا الاختلاف لا يُواجه إلا بالنقاش المنتج الذي يُظهرنا أمة تبحث لها عن مكان بين الأمم والثقافات، وليس مجرد «مجاميع» بشرية يعميها الغضب عن رؤية نفسها، ويحول بينها وبين كل جدل حضاري.
 
ما يخدمنا أن نلتفت إلى داخلنا، قبل مجالدة الخارج ورفضه. داخلنا مكتظ بالمشكلات والأزمات. ومثلما تعتبر فرنسا أن ارتداء النقاب على أراضيها قضية داخلية، وتحتاج إلى حل، فلننظر نحن إلى قضايانا الداخلية ونواجهها بشجاعة، بدلاً من اقتحام معارك لا نصرَ فيها أبداً!
باسل رفايعة

الإمارات اليوم

No votes yet